محمد أبو زهرة
3638
زهرة التفاسير
لأنه إذا كان اللّه تعالى يريد لهم الاختيار فلا تكرههم ، الاستفهام للإنكار بمعنى النفي ، أي ليس لك أن تكره الناس على أن يكونوا مؤمنين ، وقدم ( أنت ) على الفعل لأن موضع النفي أن تكون أنت أيها النبي مكرههم ، وقد قرر اللّه تعالى لهم الاختيار . حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وهذا يفيد أن الإكراه موضع استنكار لأنه إيجاد للإيمان حيث لا تكون إرادة وقوله تعالى : حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ فيه ما يدل على أنه ينشئ مؤمنين ، وليس له ذلك ، إنما هو للّه تعالى الذي يقول : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . . . ( 272 ) [ البقرة ] . إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 56 ) [ القصص ] . فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ( 22 ) [ الغاشية ] . ثم يقول تعالى : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 ) . أي ما استقام لنفس أن تؤمن باللّه وباليوم الآخر والرسل الذين جاءوا بالأدلة الحاسمة إلا بإذن اللّه تعالى توجيها وتصريفا وتوفيقا فهو سبحانه وتعالى الملهم خلق النفس فسواها ألهمها فجورها وتقواها ، فمن سلك سبيل الهداية والرشاد واتبع ما جاء به الرسل واستمع إليهم أخذ اللّه تعالى بيده إلى الإيمان ، ومن سلك سبيل الغواية أمعن في طريق الضلال ، وكلاهما بإذن اللّه تعالى وإرادته . وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ الرجس هو الأمر المستقذر في العقل والإدراك والحس ، كقوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . . . ( 145 ) [ الأنعام ] ، أي أنه قذر حسا ، والكفر يعد قذارة معنوية يصيب الفكر